ليلة عاشرة .. والصمت ســيد المكـــان ..!
كان ( ماراثوناً ) طويلا .. صامتا، حزينا، ودامعا .. ذلك الذي مشيناه أنا وأنتِ ياهديلي .. بين السرير رقم ( 14) ، في وحدة العناية المركزة، في (مستشفى رعاية الرياض)، والسرير رقم (21)، في وحدة العناية المركزة، في (مدينة الملك فهد الطبية).
في رحلتنا الماراثونية .. سرتُ وإياك ياهديل، فيما يشبه ( سرداب موت ). مررنا على كثير من مشاهد ( القبح ) .. وسمعنا اللغة المخاتلة الذرائعية، التي تلبس معطفا ابيضا، وقناعا (ملائكيا) .. وتتسلح بالمهنية ..!
هديلي .. سأحكي لكِ يوما عن التنفيذيين، و( وحوش ) الطب، وكم وردة مثلك .. سحقوها، وهم يركضون، ليدفعوا عربات (خدم القصور)، إلى الأجنحة الخاصة، ويحشدوا في خدمتهم، طوابير الممرضات ..!
- دكتور محمد .. وصلت موافقة مدينة الملك فهد الطبية ..
هززت رأسي . وقعت فواتيرهم .. وبدأوا بنزع الأجهزة .. والأنابيب ..! التوتر وصل لدي أقصاه .. الممرضة تفصل أنبوب أكسجين السريرعن هديل، ولا تعرف كيف تفتح أنبوبة الأكسجين، المرفقة بالعربة المعدة لنقلها إلى سيارة الإسعاف. شعرت بوجع هائل يخترقني. أحسست بصدر هديل يضيق.. وأنا أختنق. قلت بصوت واهٍ :أرجوك أسرعي ..! حتى القدرة على الصراخ والانفعال .. فقدتها .
تحسست صدرها .. كان ينبض . لم تعد عيناها المغمضتان، قادرتان على أن تصلني بالحياة. غفت .. فغاب البريق، الذي طالما استلهمت منه الضوء،لأتعرف على معالم الطريق. نَفَسُهُــأ صار يهديني ..!
سرنا في الممرات الطويلة . نمر على الناس .. وينظرون . ثمة اثنان على السرير : جسدها الغافي .. وروحي الثكلى . حين أرفع بصري .. أبصر غمامة بيضاء تبتسم .. روحها . تنادي .. وهي تحوم فوقنا، مطرزة بزرقة السماء، التي تقرعها أكف ألاف الضارعين : ” لاتحزن إن الله معنا ” .
وصلنا سيارة الإسعاف . رفعت العربة، وتكرر مشهد الأكسجين .. والممرضة. صرخت هذه المرة . كنت أشد قلقا، وأكثر وجعاً .. لاحظوا ذلك . قالت : “don`t worry sir ! every thing is OK”. لا أقلق ..؟! ما أسهل الطلب ..! ينزعون روحك .. ويقولون : لا تقلق ..!
ركبتُ .. وطلبتُ أن يكون اتجاه شاشة المؤشر، الذي يعرض الأرقام، إلى غير ناحيتي .. ما بي طاقة لاحتمال الوجع، من ذلك الذي يصنعه تبدل الأرقام .
حين سارت السيارة، كان كل شيء مظلما وحاراً. هل كان نور السيارة الباهت .. أم هما عيناي، اللتان خبا ضوؤهما .. إذ تغفو هديل ..؟ أكان الجو الحار الخانق، داخل السيارة، أم هي الدنيا التي ضاقت .. فغدت مثل خرم ابرة، إذ تسرق الغيبوبة الهواء من صدر هديل ..؟ كنت في مؤخرة السيارة، رأس هديل إلى الداخل، وقدماها من جهتي . صرت أتحسس قدميها، أتلمس نبض الحياة فيهما .
بدا لي أن قدميها باردتان، أكثر من المعتاد، رغم الحر الخانق داخل السيارة. سألت الممرضة بوجل : هل كل شيء على ما يرام ..؟! أجابت بنعم . ناديتها .. هديل، كانت ماتزال نائمة ..! تذكرت حديثا قديما . قلت : هديل .. أعلم أنك نائمة ، وهذه ليست المرة الأولى، التي تتأخرين فيها بالكلام ..!
هديل .. تذكرين أنك لم تتكلمي، إلا حين بلغت الثالثة . كنا في رحلة بين ( لانسنق /ميشيجان) و( أورلاندو/ فلوريدا) .. وكانت أيام عطلة أعياد الفصح، في ابريل .. حين نطقت أول كلمة لكِ .. في السيارة . كنت وأمك قلقين من تأخرك في الكلام، وحين تفجر ينبوعك ، بتلك الكلمة (الفصيحة). كان (عيدنا) الحقيقي، وقررنا أن نحتفل.. فتوقفنا عند أول ( rest area ) .. وشربنا قهوة، واشترينا لك ( دونت) وعصير ..! تأخرت ياهديل في الكلام، وحين تكلمت.. نطقت عطرا، وجمالا .. وروعة بيان .
كنا في ابريل .. وكانت أول مرة أكذب فيها ( كذبة ابريل) .. وأجد دليلا دامغاً يدعمني. تكلمتِ .. بعد صمت . وأنا الآن .. لا أصدقهم . لا أصدق الذين يراهنون على صمتك . أنا مؤمن بالفجر يبزغ من عينيك . مؤمن بصوتك، الذين سأظل انتظره .. يقول : ” إنما أمره إذا أراد شيئا ، أن يقول له .. كن فيكون ” .
مؤمن بك .. وأشرعت قلبي ويديَ لخالقك : ” سبحانك .. لا إلــه إلا أنت
هذا ماكتبه والدها ..الدكتور محمد الحضيف ..
واليوم علمت أن هديل رحلت بالأمس
بريدك..لن يراه أحد ..وعد:) لن يراه أحد يا هديل..فلقد رحلت
تؤلمني هذه التفاصيل الصغيرة دوما ..قاسية حتى في بساطتها..مكثت برهة في مدونتها أردد لنفسي لن يراه أحد ثم أغلقت المدونة دون أن أسجل شيئا..لاشئ يليق بهذا الوجع.. .
كان ( ماراثوناً ) طويلا .. صامتا، حزينا، ودامعا .. ذلك الذي مشيناه أنا وأنتِ ياهديلي .. بين السرير رقم ( 14) ، في وحدة العناية المركزة، في (مستشفى رعاية الرياض)، والسرير رقم (21)، في وحدة العناية المركزة، في (مدينة الملك فهد الطبية).
في رحلتنا الماراثونية .. سرتُ وإياك ياهديل، فيما يشبه ( سرداب موت ). مررنا على كثير من مشاهد ( القبح ) .. وسمعنا اللغة المخاتلة الذرائعية، التي تلبس معطفا ابيضا، وقناعا (ملائكيا) .. وتتسلح بالمهنية ..!
هديلي .. سأحكي لكِ يوما عن التنفيذيين، و( وحوش ) الطب، وكم وردة مثلك .. سحقوها، وهم يركضون، ليدفعوا عربات (خدم القصور)، إلى الأجنحة الخاصة، ويحشدوا في خدمتهم، طوابير الممرضات ..!
- دكتور محمد .. وصلت موافقة مدينة الملك فهد الطبية ..
هززت رأسي . وقعت فواتيرهم .. وبدأوا بنزع الأجهزة .. والأنابيب ..! التوتر وصل لدي أقصاه .. الممرضة تفصل أنبوب أكسجين السريرعن هديل، ولا تعرف كيف تفتح أنبوبة الأكسجين، المرفقة بالعربة المعدة لنقلها إلى سيارة الإسعاف. شعرت بوجع هائل يخترقني. أحسست بصدر هديل يضيق.. وأنا أختنق. قلت بصوت واهٍ :أرجوك أسرعي ..! حتى القدرة على الصراخ والانفعال .. فقدتها .
تحسست صدرها .. كان ينبض . لم تعد عيناها المغمضتان، قادرتان على أن تصلني بالحياة. غفت .. فغاب البريق، الذي طالما استلهمت منه الضوء،لأتعرف على معالم الطريق. نَفَسُهُــأ صار يهديني ..!
سرنا في الممرات الطويلة . نمر على الناس .. وينظرون . ثمة اثنان على السرير : جسدها الغافي .. وروحي الثكلى . حين أرفع بصري .. أبصر غمامة بيضاء تبتسم .. روحها . تنادي .. وهي تحوم فوقنا، مطرزة بزرقة السماء، التي تقرعها أكف ألاف الضارعين : ” لاتحزن إن الله معنا ” .
وصلنا سيارة الإسعاف . رفعت العربة، وتكرر مشهد الأكسجين .. والممرضة. صرخت هذه المرة . كنت أشد قلقا، وأكثر وجعاً .. لاحظوا ذلك . قالت : “don`t worry sir ! every thing is OK”. لا أقلق ..؟! ما أسهل الطلب ..! ينزعون روحك .. ويقولون : لا تقلق ..!
ركبتُ .. وطلبتُ أن يكون اتجاه شاشة المؤشر، الذي يعرض الأرقام، إلى غير ناحيتي .. ما بي طاقة لاحتمال الوجع، من ذلك الذي يصنعه تبدل الأرقام .
حين سارت السيارة، كان كل شيء مظلما وحاراً. هل كان نور السيارة الباهت .. أم هما عيناي، اللتان خبا ضوؤهما .. إذ تغفو هديل ..؟ أكان الجو الحار الخانق، داخل السيارة، أم هي الدنيا التي ضاقت .. فغدت مثل خرم ابرة، إذ تسرق الغيبوبة الهواء من صدر هديل ..؟ كنت في مؤخرة السيارة، رأس هديل إلى الداخل، وقدماها من جهتي . صرت أتحسس قدميها، أتلمس نبض الحياة فيهما .
بدا لي أن قدميها باردتان، أكثر من المعتاد، رغم الحر الخانق داخل السيارة. سألت الممرضة بوجل : هل كل شيء على ما يرام ..؟! أجابت بنعم . ناديتها .. هديل، كانت ماتزال نائمة ..! تذكرت حديثا قديما . قلت : هديل .. أعلم أنك نائمة ، وهذه ليست المرة الأولى، التي تتأخرين فيها بالكلام ..!
هديل .. تذكرين أنك لم تتكلمي، إلا حين بلغت الثالثة . كنا في رحلة بين ( لانسنق /ميشيجان) و( أورلاندو/ فلوريدا) .. وكانت أيام عطلة أعياد الفصح، في ابريل .. حين نطقت أول كلمة لكِ .. في السيارة . كنت وأمك قلقين من تأخرك في الكلام، وحين تفجر ينبوعك ، بتلك الكلمة (الفصيحة). كان (عيدنا) الحقيقي، وقررنا أن نحتفل.. فتوقفنا عند أول ( rest area ) .. وشربنا قهوة، واشترينا لك ( دونت) وعصير ..! تأخرت ياهديل في الكلام، وحين تكلمت.. نطقت عطرا، وجمالا .. وروعة بيان .
كنا في ابريل .. وكانت أول مرة أكذب فيها ( كذبة ابريل) .. وأجد دليلا دامغاً يدعمني. تكلمتِ .. بعد صمت . وأنا الآن .. لا أصدقهم . لا أصدق الذين يراهنون على صمتك . أنا مؤمن بالفجر يبزغ من عينيك . مؤمن بصوتك، الذين سأظل انتظره .. يقول : ” إنما أمره إذا أراد شيئا ، أن يقول له .. كن فيكون ” .
مؤمن بك .. وأشرعت قلبي ويديَ لخالقك : ” سبحانك .. لا إلــه إلا أنت
هذا ماكتبه والدها ..الدكتور محمد الحضيف ..
واليوم علمت أن هديل رحلت بالأمس
بريدك..لن يراه أحد ..وعد:) لن يراه أحد يا هديل..فلقد رحلت
تؤلمني هذه التفاصيل الصغيرة دوما ..قاسية حتى في بساطتها..مكثت برهة في مدونتها أردد لنفسي لن يراه أحد ثم أغلقت المدونة دون أن أسجل شيئا..لاشئ يليق بهذا الوجع.. .
كتبها صدى الراحلين في 09:13 مساءً ::
9 تعليقات
في25,حزيران,2008 - 07:28 صباحاً, * فـنـجـان شـاي * كتبها ...
إنه الموت!
لا يفرق بين كبير وصغير، بين غني وفقير.
رحم الله هديلا وكل أموات المسلمين.
في01,تموز,2008 - 11:28 صباحاً, * ابن بطوطة * كتبها ...
أرحب بك وبقرائك لمتابعة يوميات رحلاتي الأخيرة إلى الصين وهونج كونج بالكلمة والصورة.
ابن بطوطة
في19,آب,2008 - 12:48 مساءً, سواحل ممطرة كتبها ...
الموت
صاحب الذوق الأرقى
دائما ينتقي أجمل الناس ويرحل بهم
رحمة الله عليها
آمين
في19,آب,2008 - 11:32 مساءً, Nana كتبها ... (غير موثّق)
يا الله ... حقاً لا شيء يليق بالوجع
دائماً التفاصيل الصغيره هي الأكثر وجعاً
وجع والدها فوق الإحتمال
وأسلوب تعبير راقي
في31,آب,2008 - 09:53 صباحاً, مجهول كتبها ...
م و ت .. حروف مخيفة مليئة بوجع الحياة ..
أيها الهديـل / نشتــاق بـألم إليكـ .. رحيلـ ـك ، غرس في خاصرة الفرح .. حزنـاً دائم !
.
.
فـ ليرحمك الله وباقي الـ راحلين !
في08,تشرين الأول,2008 - 06:17 صباحاً, * فـنـجـان شـاي * كتبها ...
كل عام * جزء من النص مفقود * وأنتم بخير !
لتعرفي حكاية "النص الجزئي المفقود" اقرئي - إن شئت - تدوينتي الجديدة.
وعيدك سعيد !
في25,تشرين الأول,2008 - 05:57 مساءً, نجوان من الكويت كتبها ...
عزيزتى صدى الراحلين ،
رحم الله هديل ، واسكنها فسيح جناته ، وألهم أهلها وأحبتها الصبر والسلوان ،
هذه ثاني مرة أقرأ ، حكاية موتها ، فقد قرأته في منتدى لجامعة المفتوحة ، كونى أدرس في الجامعة ، مع العلم لا أعرف ما سبب موتها ، وها آنا أقرأه مرة أخرى ،
( هل هي طالبة في الجامعة - فرع السعودية )
وأخيرا لك منى عميق المواساة
في05,تشرين الثاني,2008 - 10:36 صباحاً, صدى الراحلين كتبها ...
عزيزتي نجوان ..لا أعرف هديل معرفة شخصية لكن حزن والدها موجع
في07,تشرين الثاني,2008 - 09:46 مساءً, أم عبد الرحمن كتبها ...
الحمد لله الأول قبل الإنشاء والأحياء والآخر بعد فناء الأشياء العليم الذي لا ينسى من ذكره ولا ينقص من شكره ولا يخيب من دعاه ولا يقطع رجاء من رجاه اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيداً وأشهد جميع ملائكتك وسكان سماواتك وحملة عرشك ومن بعثت من أنبيائك ورسلك وأنشأت من أصناف خلقك إني اشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ولا عديل ولا خلف لقولك ولا تبديل وأن محمد صلى الله عليه وآله عبدك ورسولك أدى ما حملته إلى العباد وجاهد في الله عز وجل حق الجهاد وأنه بشر بما هو حق من الثواب وأنذر بما هو صدق من العقاب اللهم ثبتني على دينك ما أحييتني ولا تزغ قلبي بعد أن هديتني وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب ، صل على محمد وعلى آل محمد واجعلني من أتباعه واحشرني في زمرته ووفقني لحسن عبادتك وما أوجبت علي من الطاعات وقسمت لأهلها من العطاء في يوم الجزاء إنك أنت العزيز الحكيم.
جمعة مباركة.
